ساسي سالم الحاج
226
نقد الخطاب الاستشراقي
المرحلة وفي مراحله الأخرى القادمة . فالآيات القرآنية تحث على إقامة العدل بين الناس . وبعض منها ينهى عن الظلم والفساد والهيمنة والاستغلال ، وبعض منها نادى بمبدإ المساواة بين الناس ، ودعت الأحكام القرآنية العديدة القضاة والحكّام إلى العدل بين الناس دونما أخذ بعين الاعتبار للقرابات أو العداوات أو الصداقات . وشريعة هذا منهجها وأساسها وركنها المنيع لا بد من أن تقابل بالاستحسان والرضا لمن شرّعت لهم خاصة أنها تنسجم والفطرة الإنسانية البسيطة . يضاف إلى ذلك أن التشريع في هذه المرحلة المبكرة من نشأته ينبني على الوقائع والحوادث لمواجهتها ، ولا يعتمد إطلاقا على الخيال والفروض ثم البحث عن أحكام لها . فكلما جدّت الوقائع والحوادث واجهها المشرّع الإلهي بالحلول الناجعة ، وربما تراخى الحلّ قليلا ولكنه لا يلبث أن يأتي أخيرا مجيبا للتساؤل المطروح ، ومتضمنا للحلّ المنشود . ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن القرآن هو المصدر الأساسي للتشريع في هذه المرحلة ، ولكن واقعية التشريع وتلمّس الحلول للمشاكل المطروحة كانت تجابهها السنّة أيضا ، فكثيرا ما كان الرسول يقوم ببيان الحكم عقب الحوادث والوقائع حتى وإن كانت الإجابات النبوية يتضمنها القرآن مثلما نجد كلمة « يسألونك » عن العديد من الأمور وكانت الإجابة في القرآن يتلوها الرسول على أصحابه وأمته . وغالبا لا يكون جواب الرسول مقتصرا على السائل أو المستفتي ذاته ولكنه يشمل غيرهما من أمثالهما ، ومن هنا قول العلماء : « العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب » . هذه العوامل جميعها وغيرها ساعدت على بنيان الصرح الفقهي الشامخ منذ بواكير الدعوة الإسلامية ، وقد أغفل المستشرقون ذكرها وتغاضوا عنها ولكنهم أطنبوا في مصادر التشريع الأخرى وحدّدوها فقط في القرآن والأعراف القبلية القديمة ، فما حقيقة هذه الادعاء يا ترى ؟ أشرنا آنفا إلى نفي كل من « جولدزيهر » ، و « جونيبول » و « روبسون » ، و « شاخت » السنّة باعتبارها مصدرا تشريعيّا أساسيّا في هذه الفترة . ولم يؤكد هذا المصدر إلّا « كولسون » في عبارات موجزة وبأمثلة قليلة . والحقيقة التي لا مراء فيها أن مصادر التشريع في هذه المرحلة تنحصر في القرآن الكريم ، والسنّة النبوية ، واجتهاد الرسول الشخصي وذلك على خلاف فيه . واجتهاد الصحابة إبّان حياته على خلاف فيه أيضا .